العين في المجتمع.

إني والله لا أتعجب من أن تضيع سنوات عمر رجال ونساء بسبب هذا الترسيخ القاتل الذي دمر كثير من الشباب والشابات وجعلهم مستودعات للوساوس والإضطرابات والشكوك، وفرض لهم قواعد أشبه بالقواعد العسكرية لما فيها من صرامة وتدقيق وحذر!

أيعقل أن يُخبئ أب أبنائه الصغار إلى سن معين بسبب العين؟ أيعقل أن لا يشارك الأخ أخاه كل ما هو جميل بسبب العين؟ أيعقل أن يُخفي الشخص الفطري مزاياه ومواهبه عن المجتمع بسبب العين؟ أيعقل أن يخشى الشخص الشراء والتمتع بأبسط الأمور الغريزية بسبب العين؟ أيعقل أن يرتبك البعض بمجرد نظرة عابرة طبيعية؟ أيعقل أن تختفي الكلمة الطيبة والمديح والثناء بسبب الخوف من تتبعات ما يتوقعه الشخص؟ أنكون بالخفاء دائمًا؟ وكأننا عملاء استخبارات يخشون من كل ما هو ظاهر؟

الكارثة أنها تتفاقم والبعض وصل مرحلة خطيرة أن لا يشرب بيالة شاهي إلا والجميع شاربون خوفًا من أن تكون العين مصوبة نحوه! وكأننا في ساحة قنص، هؤلاء لو آمنوا بالعين مثل ما يؤمنون بأن الله خير الحافظين لا دخلوا الجنة دون حساب، أين هم عن التوكل؟ أين هم عن الإيمان بالقدر؟ لماذا لا تكون المصائب سببها اختبار أو ابتلاء أو عقاب أو تكفير أو تطهير؟ لماذا تُحصر في العين فقط؟ مع العلم أن العين شيء غيبي محض لا يعلمه إلا الله، أين هذه العين من أوروبا ودولة المحطات الفضائية؟ أتكون فقط في الشرق الأوسط؟ فقط حولك؟ العين حق ولا شك بهذا ولكنها شأن غيبي يصعب تحديدها ومن الجنون والمرض ربطها بكل حركة وفعل وقول وتصرف! المدهش أن المجتمع جميعه معيون، وكل عين على حسب هواء الشخص وما يريده، تارة في هيئته وتارة في عمله وتارة في شعره، فهي تدخل في حكم المزاج وقد تتبدل مع الوقت وتتغير فتصبح في مشيته أو ضحكته، والبعض جعلها شماعة عظيمة لكل كبوة وسقوط وفشل وهكذا دواليك!

الكرم والنسبية.

في الجزيرة العربية عُرف عن العرب أنهم أهل كرم وأخلاق ومبادئ وقيم وشجاعة وشهامة، وأبرز مافي سماء العرب “الكرم” فهو يفوق كل المزايا والصفات المحمودة التي يتمتعون بها، فهو يجري جريان الدم في الجسم، بل أن بعضهم جعله فوق دمه، فالكرم أولاً ومن بعده يأتي الدم! فلو تأملنا قليلاً لا رأينا في كل بيت أسلوب أو فن ما يوضح ويبرز علامات هذا الكرم وهو الحجر الأساس في كل بيت من بيوتهم، فمثلاً يُخصص مجلس مخصوص للضيوف وأن أخذ مساحة كبيرة من المنزل، وهذه دلالة على اهمية الضيف في عقل الشخص العربي، وبلا أدنى شك فأن دل هذا على شيء دل على حب وروح وخير وتربية سليمة صحيحة، ولكن المشكلة الكبرى إذا تحول هذا الكرم إلى مبالغات لا يستوعبها عقل، وإلى قواعد صارمة تسبب ضغوط معيشية تؤدي إلى النفور، وعلى سبيل المثال لا الحصر، نشاهد في بعض المنازل مجالس وصالات تأخذ ثلث حجم المنزل دون أي تنظيم وترتيب والسبب يعود لأولوية الضيوف لا أهل المنزل! علمًا أن الضيوف غير دائمين أي بمعنى أدق هم ليسوا أهل المنزل الدائمين الذين هم في امس الحاجة للتوزيع المثالي الذي يتناسب مع حاجاتهم المنزلية، فليس من المنطق أن تُحصور الغرف والجلسات الخاصة في المنزل لأجل “ملحق” أو مكان يُهجر 4 – 5 أيام في الأسبوع، هذه الضغوط أدت إلى اتجاه آخر في العطاء والضيافة والكرم بشكل عمومي، انتقل من المنزل إلى الحياة العامة ككل وهذه ليست مشكلة في ذاتها إنما المشكلة الحقيقية تكمن في ربطها ربط شمولي دون النظر إلى ماهية الظروف!

الشيء الذي يستحق فعلاً التأمل والتعمق فيه هو نوعية هذا الكرم، فكل شخص له طريقته التي يتعامل بها مع الكرم بحسب مفهومه الشخصي بشرط ألا تكون طريقة مستنكره تأتي من مزاج غير راغب اصلاً، وسأشير إلى نقطة مهمة جدًا قد تختلط على كثير من الناس في هذه المسألة، لطالما ظلموا أناس كثر رغم كرمهم وعطاءهم ورغباتهم ومحاولاتهم والسبب يعود إلى نظرة المجتمع المبالغة والمفرطة في العطاء والكرم، فطبع في عقول الكثير أن الكرم لا يكون إلا بكل ما هو نفيس ونادر وغير معتاد! دون النظر إلى وضعية المكرم، ودون النظر إلى حالته، فما وضعه المجتمع من معايير عالية لا تراعي الظروف والاوضاع جعلت الآخرين بين خيارين أما الإنسحاب والدخول في عالم “البخل” أو الاستعانة بطوارئ الديون والتساليف والعيش بين سلاسلها وقيودها!

فالكرم بين البشر نسبي لا ثابت ومن سابع المستحيلات أن يكون ثابت، فالتاجر مثلاً والمتمكن ماليًا قد يكرم بحسب ما لديه من قدرة ووفرة والغني كذلك وهذا عكس من هو اقل منهم ماديًا، فالتاجر والغني تتبدل وتتغير لديهم الموازين، فما يدفعونه من مبلغ هو في الأصل لا يهز ولا يضر بحكم الحالة بشكل عام، ومن هذا المنطلق يُحكم على التاجر والغني بالدرجة العليا من الكرم! وكأنه الذي في يدك من وفرة يُحدد الدرجة التي ستأخذها دون أي منطقية أو سببية، أي أن كنت تملك الكثير فأنت الأولى دائمًا بغض النظر عن سهولة هذا الشيء بحكم ما تمتلكه من خيارات، وهنا سيظلم كل متواضع محكوم بظروفه وأوضاعه!

فمثلاً نرى في بعض العوائل إختلاف الظروف بين الأخوان، والمشكلة عدم مراعاة هذا الإختلاف، فمن يعطي أكثر سيخصص بأنه الأكرم ومن يعطي أقل بسبب ظرف ما سيصبح كريم ولكن بدرجة أقل قد تدخل فيها المقارنات التي تجلب نيران من الحقد والكره! إذًا فالحكم ظالم وغير متكافئ، فهل من يملك ملايين الريالات اكرم من الذي يملك مئات الألوف؟ ماهي المعايير؟ هل من يبذخ دون وعي اكرم؟ هل من يحصر الكرم في المال فقط اكرم؟ لماذا صغرت كل مكرمة يسيرة؟ ومن جعل الكرم محصور فقط في الولائم والذبائح؟

وإذا عاملنا الكرم معاملة إحصائية رياضية عادلة لأصبح المتواضع أو الفقير أكرم عشرات المرات من التاجر أو الغني، فمن يكرمك بـ 80 ٪ من محصوله خير من يكرمك 10 ٪ من محصوله، وشتان بينهما، بغض النظر عن نوعية هذا الكرم الذي يحتكم للظروف والأسباب!

رُب فنجال قهوة في منزل متهالك من شخص لا يملك إلا قوت يومه، تساوي ليلة باذخة تُضع على طاولاتها اشهى أطباق البحار والأرض، و رُب قلم يأتي من صبر وجهد يساوي ساعة مُرصعة بالألماس، و رُب زجاجة عطر تكون في القلب أكثر بهجةً من سيارة، فالهدية معنى وقيمة قبل أن تكون تسعيرة وهيئة.

أعقل الناس أعذرهم للناس، وتلك الأيام نداولها بين الناس، وياليت أن يكون الكرم كذلك في النفس القلب واللسان لا فقط في الماديات.

شكّل حياتك.

ما تعتقده اعتقاد جازم وكامل سيحصل لك مستقبلاً بطريقة أو بأخرى وقد لا يحصل وكلها بإرادة الله سبحانه “الأشياء تظل ساكنة حتى تفكر فيها فتتحرك بإتجاهك”

وليس المقصود هُنا كل ما يخطر في الذهن، بل ما تتوقعه بشكل دوري ودائم ومن إيمان راسخ لا يقبل شك، مع السعي والعمل والمحاولة لا الجمود والكسل وعدم الحركة، فالوساوس والخوف كثير منها لا يقع، وكثير منها عبارة عن أوهام وخزعبلات لا تمت للواقع بأي صلة، فالمقصود هو رؤيتك لنفسك أولاً وقبل كل شيء وما تراه في عمقك، فالخيال سلاح عظيم جدًا وما وجد بنا إلا لغاية ومعنى من رب العالمين، وسلاح ذو حدين قد ينقذك ويقودك للنجاح وقد يقتلك ويقودك للهلاك، فما يحرك جسدك ويحرك لسانك ويحرك كل ذرة فيك ما هو إلا ما يدور في هذا الخيال أو الفكر من خيالات وأفكار، فأنت الرسام وعقلك الريشة وحياتك اللوحة، ماذا تتخيل؟ ماذا تتصور؟ ماذا تتوقع؟ بماذا تفكر؟

يقول الله سبحانه وتعالى “أنا عند ظن عبدي بي أن ظن خيرًا فخير وأن ظن شرًا فشر” ومنها أيضًا “تفائلوا بالخير تجدوه” وللثقة سلطان على النفس والجسد فهي الوقود التي تزيدك قوة والدرع الذي يحصنك والطائرة التي تحلق بك، فأن رفعتها رفعتك وأن شحنتها شحنتك ولها تأثير كبير على من حولك فأنت المستفيد اولاً واخرا، يقول عمر بن عبدالعزيز عن نفسه “إن لي نفساً تواقة، وما حققت شيئاً إلا تاقت لما هو أعلى منه، تاقت نفسي إلى الزواج من ابنة عمي فاطمة بنت عبدالملك فتزوجتها، ثم تاقت نفسي إلى الإمارة فوليتها، وتاقت نفسي إلى الخلافة فنلتها، والآن تاقت نفسي إلى الجنة فأرجو أن أكون من أهلها” ولا أنسى قول الشاعر “دواؤك فيك وما تبصر وداؤك منك وما تشعر وتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر” إذًا فأنت أيها الإنسان مُخير ومحاسب على كل شيء فكيف تحاسب على شيء خارج إرادتك؟ كيف إذًا أنت مُخير؟ يقول الله سبحانه وتعالى ( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ) هُنا الإنسان خُيّر فما أنت فاعل؟ زكيتها وأفلحت؟ أم دستها وخبت؟ الخيار لك ومنك وسيكون أما لك أو عليك، فأنت المسؤول الأول وأنت الذي تشكّل حياتك بعد الله، فالله سبحانه يقول أيضًا ( مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ) أي توضيح هذا؟ وأي تلميح هذا؟ أعطاك كل شيء فجعلك الكاتب بإرادته وجعل الدنيا صفحتك فأكتب ما تشاء وأفعل ما تشاء وإليه ستعود ومنه سيكون أما الجزاء أو العقاب.

متابعة المشاهير.

إنها داء التقنية، المرض الذي شتت الجميع وضيّع الكثير وجعلهم في دائرة واحدة يعانون كل المعانات، عالم دائري يدور بطريقة مكررة ودائمة وبشكل يومي متتابع، هذا الداء جعلهم يقارنون كل ما يرونه بما لديهم، فهم يرون حياة باذخة ممتعة ساحرة، من أجمل وأروع وأفخم الأراضي، فيشاهدون أحدث المركبات، وأشهر الماركات، وأبرز التقنيات، وأوسع البيوت، وما أن ينتهون من رؤية كل هذا إلا ويعودون إلى واقعهم المتواضع المرير بعيونهم، فتبدأ آلام القلب وتساؤلات النفس وتعود هذه العبارات تتردد في الرأس “الناس مبسوطه – الناس عايشه – الكل يُسافر – الكل سعيد” إلا أنا! فيبدأ التوبيخ والتصغير والتقزيم، ويعيش هذا الإنسان في شقاء وعذاب وهم وغم، وما أن ينتهي من كل هذا إلا ويعود كما كان يتابع ويقارن وما يلوم إلا نفسه!

ومن خطورة المتابعة أنها تجعلك تتبنى أخلاق وأفعال وحركات هذا المشهور وتقع تحت فخ أهميته وشهرته وما حوله من متابعين، سواءً بوعي منك أو دون وعي، بشعور منك أو دون شعور، فالتكرار والاستمرار بمتابع شخص ما لفترة طويلة، بكل الوسائل والطرق، بأي الأماكن والأوضاع، وبأي الظروف والحالات، ستجعل هذه المتابعة متأصلة كامنة في نفسك وقلبك ولسانك، وستلاحظ مع الوقت أنك نسخة مكررة منه بالذوق والرأي والحكم! والغريب في الموضوع أن في أحيان عديدة قد لا تدرك الأمر، وقد يكون من الصعوبة بمكان أن تعرف، والسبب تراكمات كثيرة تكونك بك مع الوقت، فتتقمص دون أن تعلم، ناهيك عن حرصك وخوفك وشوقك إليه في حال الغياب! والمضحك في الموضوع أنك عبارة عن مُتابع من متابعين كثر، أي أنك لا شيء لهذا المشهور لا يعرفك ولا يعلم عنك شيء إطلاقا! فأنت مجرد رقم من أرقام ومشاهد من مشاهدين، فكيف يرضى بعض البشر أن يصبح بهذه السطحية والهزل والضعف؟ وكيف يرضى أن يكون تابع بهذه الطريقة التافهة التي لا تأتي إلا بالضياع ورؤية السخافات دون أي معنى وقيمة. فالمتابعين أشبه بالمساجين بل أشد، فهم يرون متع غيرهم أمام الشاشات دون أية مشاركة وفائدة. فمن ضيّع حياته لمتابعة حياة غيره لا يستحق إلا أن يكون هكذا تابع ذليل ضائع تائه، جعل طاقته ووقته وجهده لغيره دون ذرة مقابل.

عمل يسير.

هذه بضع كلمات أتمنى أن تكون كل الثمار، من أعظم وأسهل وأيسر الأعمال، التي لا مشقة ولا تعب فيهما.

عملين وأي عملين؟

1 – الذكر

يقول تعالى:

( أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ )

أعظم وصفة علاج بلا مقابل ودون أية عناء!

2 – الصدقة

( ما نقص مال عبدٍ من صدقة )

( دَاوُوا مَرضاكُمْ بِالصَّدقةِ )

وأي مال هذا الذي لا ينقص بنقصانه؟

هو في الحساب المالي الدنيوي ينقص مالك نعم

ولكن عند الله يزيد، وما عند باقي ومافي الدنيا فاني.

يقول الله سبحانه:

( فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا )

ويقول من باب التطمين والتأكيد والضمان:

( إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلً )

وأرجو من من الله أن تكون لي لا علي ولكم لا عليكم واسأله السداد والتوفيق لي ولكم وبهذا السلام.

الاستهلاك الشرائي.

ما زلت أرى أن 70 ٪ من مشترياتنا اللحظية من طعام وشراب وكماليات هي في الأساس لا حاجة لها، ففي مرات كثيرة نقع في فخ الجديد أيا كان، لا لغاية فيه بل لرغبة نفسية داخلية ترضي الشعور واللذة والشبع، وما أن تذهب وتزول، إلا ونعود مثلما كنّا، وكأننا في عالم دائري لا مخرج له، ومن أعلى درجات هذه المرض الاستهلاكي أن يرتبط لأجل الناس وآرائهم! فمثلاً خروج شخص لمكان ما أو شراء سلعة ما، ليس لغرضه الشخصي حتى ولو كان دون معنى، بل لأجل الناس ومشاركتهم المكان أو السلعة!

وسأذكر قصة تُبيّن خطورة تفشي هذا المرض في المجتمع والقصة كالتالي:

في إحدى المطاعم المعروفة في الرياض وفي طاولة جميعها رجال ينتظرون طلبهم، وما أن أتاهم الطعام إلا وتأتي فتاة وتطلب من أحد الجالسين أن يصور الطاولة والطعام في جهازها الشخصي، منظر غريب عجيب، ولبى طلبها أحد الجالسين وذهبت الفتاة لا بالطاولة والطعام بل بالصورة فقط!

هذا الوباء الجديد في عالم السوشل ميديا سيجعلنا مع الوقت نغير الكثير والكثير من شخصياتنا، سيعيد تشكيل نظرياتنا وأفكارنا وأهدافنا، سيجعلنا نسافر لأجل السناب وننفق آلاف لأجل الانستقرام، وعبيد تجرها السلاسل ليلاً ونهارًا لأجل لايك ورتويت وتعليق في عالم تويتر! ومن ينجو من هذا الخداع والاستنزاف والعذاب سيكون من الفائزين -بإذن الله-. “وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون”.

لا يعني هذا الحرمان والكبت والتقشف والشح وهجر كل بادرة تخطر في التواصل الإجتماعي!

النسيان.

هذه النعمة العظيمة التي أوجدها الله سبحانه فينا، هذه الهبة التي لولاها لكنّا نعيش في الماضي أبد الدهر، نتصارع نتعارك نترصّد، ونتألم ونحزن ونبكي، هذه الذاكرة التي تمحو جزء كبير من سنواتنا العمرية، لا قصور فينا ولا خللاً أصابنا، فالله لا يخلق إلا عظيم، فنحن كما وصفنا الباري في كتابه العزيز “وخلقنا الإنسان في أحسن تقويم” بل هي رحمة كبيرة تجعلنا نواصل الحياة بكل يسر وطاقة وطمأنينة، إنها تحديث مذهل وتصفية فورية تقول لك ابدأ من جديد فما بك لم يكن! فالنسيان في جوهرة نعمة لا تُقدر بثمن، تخيلوا لو أننا لا ننسى؟ ماذا سيحدث؟ وماذا سيكون؟ تخيلوا أن شريط ذكرياتنا وآلامنا وأحزاننا يمر علينا يوميًا كالمقطع والفيديو؟ ماذا سنشعر وكيف سنعيش؟ كيف سننسى وكل شيء يُعاد مرارا وتكرارا برمشة عين؟ كيف سنتخطى؟ كيف سنسامح؟ كيف سننام؟ وتأملوا قول الله تعالى “ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير” يعلم كل العلم حاجتنا للنسيان، فهو العلاج الذي به سنعيش دومًا كما كنّا وبدونه لن نعيش لحظة! ولذلك لا يعيش الحاقد والكاره والحاسد الحياة الحقيقية، والسبب عدم نسيانه وعدم تفريغ قلبه من كل ما يعصف به.

وفي عالم التقنية وعلى وجه الخصوص في “الجوالات” نلاحظ أن كثير من الناس إذا أرادوا أن يعيدوا حياتهم وأن يبدأو حياة جديدة حذفوا كل شيء، وذلك لتصفية أذهانهم وعقولهم ونفوسهم من كل ذكرى وحدث يؤثر فيهم ويعطل حركتهم، فمثلاً البعض لا يستطيع أن يحفظ فيديوهات لأبيه المتوفي، فالرؤية والمشاهدة من مقطع وصوت وصورة تؤثر تأثير بليغ في النفس على كثير من الناس خصوصًا وأن الواقع نقيض العالم الافتراضي والواقع لا يرحم ولا يُعيد ما كان، فيحدث تشتت عاطفي ونفسي، وتصادم مُخيف بين الماضي والحاضر، فالبعض ما زال يعيش في الماضي والسبب تشبّثه بكل ما فيه من ذكريات وأحداث، وبهذا يُضيّع حاضره ويدمر مستقبله، والجوالات سلاح ذو حدين قد تكون لك أو عليك وقد تكون في مرات معك وتكون في مرات أخرى ضدك! فهي غير مستأمنة إطلاقا. فمثلاً ما كنت تسجله وتصوره وتدونه في وقت سابق، كان في ذاك الوقت شيء ممتع وشيّق ويدعوا للفخر، وما أن تمر السنوات إلا وترا ما كنت تسجله وتصوره وتدونه شيء تافه ومضحك ويدعوا للخجل والسخرية! أفعلت هذا أنا؟ كيف فعلت؟ وماذا كنت أفكر حينها؟ ولذلك من يُشارك بكل ما يملك من مقطع وصوت وصورة في أي برنامج دون وعي وتركيز ومعنى، سيندم لاحقا خصوصًا وإن كانت هذه المشاركات مستنكره تدخل في دائرة الموضة أو الطفرة أو المحاكاة لشيء ما، وكثيرًا ما نرى أناس يستخدمون هذه الأشياء لصالحهم عندما يحاربون بعض الأشخاص وكثير من المشاهير عانوا الويلات من هذه التصرفات مع الجمهور، ويا ليت قومي يعقلون ويفقهون في مستقبل كل شيء فيه “مدون” يُعاد أحياءه بضغطة زر، عمومًا ما أوجده الله فينا هو العلاج المثالي لنا، فالنسيان وجد لمعنى وحدوثه فينا لسبب، إذًا فمن الحكمة أن نراجع أجهزتنا بشكل دوري ودائم وتنظيفها وتصفيتها من كل ما يكدّر ومن كل ما يعيقنا نفسيًا وعاطفيًا، عيشوا كما تعيش الذاكرة في الرأس واجعلوها قدوة لكم.

وقبل الختام لا أنسى أن النسيان في بعض الحالات مزعج ويضعنا في إحراجات متعددة، ويعطل كثير من أفعالنا، وهذه مع التكرار والديمومة تختفي -بإذن الله- وقد قيل “آفة العلم النسيان” والسلام.

المال يحكم البعض.

لم أرى أرذل وأغبى وأقصر رؤية، من شخص ملك بضع من الريالات وشعر شعور المتفوق المتمكن، وبدأ يُعامل من حوله على حسب هذا المال، المبكي اعتقاده الراسخ الضعيف أن لكل صاحب مال “عبقري” ويستحق كامل التبجيل والتعظيم، بل والتقبيل من يد ورأس، وفي حال الموافقة الرجلين أيضا.

والله أننا نسمع قصص تَقْشَعِرّ لها الأبدان، أخ يعامل أخاه بميزان المال وإن كان أشرف وأصدق وأكرم الناس، إن كان يملك الكثير فسيدخل قائمة “سم- ابشر- ولا يهمك” مع جيش كامل من الابتسامات، وإن كان يملك القليل فسيدخل في قائمة “التهميش- السطحية- الدونية” مع ترسانة من الوجوم والعبوس، وكأنه الدنيا كلها لا توزن إلا بميزان “المال” وغير ذلك “بربسة” .

هؤلاء جعلوا من المال آلهة لهم، وكل شيء قائم على المال، من تقدير واحترام وقوة وجاه، هؤلاء أقرب الناس لخيانة الوطن وبيع الأهل وغدر الأصدقاء، مُتغيرون، متبدلون، متلونون “كالحرباء” فكل آرائهم قائمة ومبنية على ذلك، فشخص براتب 5000 ريال، بعين هؤلاء السذّج سيكون عبارة عن نكرة وطفيلي ولا عبرة له، بينما شخص براتب 15 ألف، سيكون نبي من أنبيائهم، يجوز التبرّك به، ولا مانع من الركوع والسجود في حال كانت الحاجة تطلب ذلك، ويتناسون، او هم في غفلة، عن نهاية مصير طريقها “حقيقة” ستجعلهم في أسفل سافلين. ولو تأملوا هذه الآيات لعرفوا أن الدنيا أعمق من ذلك بكثير، يقول تعالى: ( الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ، يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ، كَلاَّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ، نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ ) .

تعامل البعض مع الشبهات في الدين.

اصحاب الهوى في الدين تراهم عند كل شبهة، لا يسمعون القول الراجح ورأي الجمهور، بل يذهبون للخلاف وأن كان قليل ومشكوك، اما في المال او النفس تراهم لا يسلكون إلا المضمون خوفًا من الخسارة والفقدان، والسبب في هذا التناقض العجيب، أن في الدين يرون أن العقاب آجل، وفي المال والنفس عاجل، وهذا من ضعف وقصر وهشاشة القلب والعقل لديهم، والعبرة بالخواتيم، ومن قدّم دنياه على آخرته فقد كان من الخاسرين وأي خسارة تلك التي تكون في دار الخلود!

فمثلاً يخشون سلك طريق سفر ما لأنه وعر، ويرتابون من مطعم ما لأن نسبة ضمانه ليست عالية، وتشاهدهم يتخذون كامل الاحترازات الوقائية في كل مكان مشبوه، إلا الدين فهم يبحثون عن أي مسألة فيها خلاف وأي شبهة تلامس شهواتهم وأي ذريعة تحاكي رغباتهم لكي يفعلون ما يريدون.

الدنيا دار عبور لا مقر، هي كالمحطة في سكة سفر، ستشعر انها بضع دقائق، والآخرة نقيض هذا، فهي ليست ملايين السنين ولا مليارات ولا حتى كل ارقام الوجود بل خلود دائم باقي ابد الآبدين.

سأختم بهذه الآية العظيمة “أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ” .

الزواج في العصر الحالي:

هذا الوثاق المقدس، الذي فطرنا عليه الله سبحانه وجعله لنا مسكن وملجأ وقلعة، يصون كل من الرجل والمرأة وجعلهم متكاملين متناغمين منسجمين، ليرسموا أجمل رسالة في الأرض وهي الخلافة، هذه العلاقة العظيمة التي تهيئ الجو المثالي والمناخ المناسب ضد عواصف ومشاكل ومصاعب الحياة، أصبح اليوم للأسف الشديد عند البعض وهم ليسوا بقلة، عبارة عن استغلال وتجارة وتجربة، والأدهى والأمّر أنها عند فئة كبيرة من المشاهير عبارة عن “مادة” لهم في حساباتهم، ما أن تنتهي ينتهي الزواج!

البيوت أسرار، وقوة الزواج في حصنه المنيع ضد كل ماهو خارجي، العلاقة ليست فرجة لكل عابر وغريب، وليست شاشة يراها القاصي والداني ليعلّق ويحكم ويخمّن، هذه مهزلة مصيرها التفكك، وهذا خداع نهايته معلومة، مشروع العمر ليس نزهة سنة أو سنتين، وليست متعة ونعيم في كل أحوالها كما يروجون له مدعين الرومانسية والخرافة، الزواج كالحياة ستراه بكل زواياه، تفرح وتحزن، ترتفع وتسقط، تقاوم وتعاني، تتلذذ وتتألم، كفاح وجهاد، عمق وبصيرة، وهنا يُبان الرجل وتُبان المرأة.

الكثير نجح نجاح باهر، ومن أكبر الأسباب، سبب من اتخذه نبراس له لن يخسر، أنها “الخصوصية” ومازلت مؤمن أن الزواج أصعب مراحل العمر لكنه أمتع ما قد يحظى به الإنسان، وتأملوا قول سيد البشر عليه أفضل الصلوات والتسليم “الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة” لم يذكر المال ولم يذكر متع الأرض كلها! بل خصها بالمرأة الصالحة فقط، فهي التي ستجعل بيتك جنة كما أنها ستجعل ابنائك بحار هذه الجنة فهي للأمومة خُلقت، وللرجولة تريد، ولم أرى شخص ” كامل المسؤولية” إلا وكانت الرجولة تسري في دمه.

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ