في الجزيرة العربية عُرف عن العرب أنهم أهل كرم وأخلاق ومبادئ وقيم وشجاعة وشهامة، وأبرز مافي سماء العرب “الكرم” فهو يفوق كل المزايا والصفات المحمودة التي يتمتعون بها، فهو يجري جريان الدم في الجسم، بل أن بعضهم جعله فوق دمه، فالكرم أولاً ومن بعده يأتي الدم! فلو تأملنا قليلاً لا رأينا في كل بيت أسلوب أو فن ما يوضح ويبرز علامات هذا الكرم وهو الحجر الأساس في كل بيت من بيوتهم، فمثلاً يُخصص مجلس مخصوص للضيوف وأن أخذ مساحة كبيرة من المنزل، وهذه دلالة على اهمية الضيف في عقل الشخص العربي، وبلا أدنى شك فأن دل هذا على شيء دل على حب وروح وخير وتربية سليمة صحيحة، ولكن المشكلة الكبرى إذا تحول هذا الكرم إلى مبالغات لا يستوعبها عقل، وإلى قواعد صارمة تسبب ضغوط معيشية تؤدي إلى النفور، وعلى سبيل المثال لا الحصر، نشاهد في بعض المنازل مجالس وصالات تأخذ ثلث حجم المنزل دون أي تنظيم وترتيب والسبب يعود لأولوية الضيوف لا أهل المنزل! علمًا أن الضيوف غير دائمين أي بمعنى أدق هم ليسوا أهل المنزل الدائمين الذين هم في امس الحاجة للتوزيع المثالي الذي يتناسب مع حاجاتهم المنزلية، فليس من المنطق أن تُحصور الغرف والجلسات الخاصة في المنزل لأجل “ملحق” أو مكان يُهجر 4 – 5 أيام في الأسبوع، هذه الضغوط أدت إلى اتجاه آخر في العطاء والضيافة والكرم بشكل عمومي، انتقل من المنزل إلى الحياة العامة ككل وهذه ليست مشكلة في ذاتها إنما المشكلة الحقيقية تكمن في ربطها ربط شمولي دون النظر إلى ماهية الظروف!
الشيء الذي يستحق فعلاً التأمل والتعمق فيه هو نوعية هذا الكرم، فكل شخص له طريقته التي يتعامل بها مع الكرم بحسب مفهومه الشخصي بشرط ألا تكون طريقة مستنكره تأتي من مزاج غير راغب اصلاً، وسأشير إلى نقطة مهمة جدًا قد تختلط على كثير من الناس في هذه المسألة، لطالما ظلموا أناس كثر رغم كرمهم وعطاءهم ورغباتهم ومحاولاتهم والسبب يعود إلى نظرة المجتمع المبالغة والمفرطة في العطاء والكرم، فطبع في عقول الكثير أن الكرم لا يكون إلا بكل ما هو نفيس ونادر وغير معتاد! دون النظر إلى وضعية المكرم، ودون النظر إلى حالته، فما وضعه المجتمع من معايير عالية لا تراعي الظروف والاوضاع جعلت الآخرين بين خيارين أما الإنسحاب والدخول في عالم “البخل” أو الاستعانة بطوارئ الديون والتساليف والعيش بين سلاسلها وقيودها!
فالكرم بين البشر نسبي لا ثابت ومن سابع المستحيلات أن يكون ثابت، فالتاجر مثلاً والمتمكن ماليًا قد يكرم بحسب ما لديه من قدرة ووفرة والغني كذلك وهذا عكس من هو اقل منهم ماديًا، فالتاجر والغني تتبدل وتتغير لديهم الموازين، فما يدفعونه من مبلغ هو في الأصل لا يهز ولا يضر بحكم الحالة بشكل عام، ومن هذا المنطلق يُحكم على التاجر والغني بالدرجة العليا من الكرم! وكأنه الذي في يدك من وفرة يُحدد الدرجة التي ستأخذها دون أي منطقية أو سببية، أي أن كنت تملك الكثير فأنت الأولى دائمًا بغض النظر عن سهولة هذا الشيء بحكم ما تمتلكه من خيارات، وهنا سيظلم كل متواضع محكوم بظروفه وأوضاعه!
فمثلاً نرى في بعض العوائل إختلاف الظروف بين الأخوان، والمشكلة عدم مراعاة هذا الإختلاف، فمن يعطي أكثر سيخصص بأنه الأكرم ومن يعطي أقل بسبب ظرف ما سيصبح كريم ولكن بدرجة أقل قد تدخل فيها المقارنات التي تجلب نيران من الحقد والكره! إذًا فالحكم ظالم وغير متكافئ، فهل من يملك ملايين الريالات اكرم من الذي يملك مئات الألوف؟ ماهي المعايير؟ هل من يبذخ دون وعي اكرم؟ هل من يحصر الكرم في المال فقط اكرم؟ لماذا صغرت كل مكرمة يسيرة؟ ومن جعل الكرم محصور فقط في الولائم والذبائح؟
وإذا عاملنا الكرم معاملة إحصائية رياضية عادلة لأصبح المتواضع أو الفقير أكرم عشرات المرات من التاجر أو الغني، فمن يكرمك بـ 80 ٪ من محصوله خير من يكرمك 10 ٪ من محصوله، وشتان بينهما، بغض النظر عن نوعية هذا الكرم الذي يحتكم للظروف والأسباب!
رُب فنجال قهوة في منزل متهالك من شخص لا يملك إلا قوت يومه، تساوي ليلة باذخة تُضع على طاولاتها اشهى أطباق البحار والأرض، و رُب قلم يأتي من صبر وجهد يساوي ساعة مُرصعة بالألماس، و رُب زجاجة عطر تكون في القلب أكثر بهجةً من سيارة، فالهدية معنى وقيمة قبل أن تكون تسعيرة وهيئة.
أعقل الناس أعذرهم للناس، وتلك الأيام نداولها بين الناس، وياليت أن يكون الكرم كذلك في النفس القلب واللسان لا فقط في الماديات.