الموت لا يرحم، لا يستأذن، لا يعرف حبيب وصديق ورفيق، يأتي برمشة عين، دون أي مقدمات، دون أي سابق إنذار، في المنزل، في العمل، في الطائرة، في السيارة، في القصور، في المستشفيات، لا يعرف زمان ولا مكان، لا يعرف كبير ولا صغير، لا يميز بين لون وعرق، ألا نتفكر؟ ألا نستوعب؟ ألا نخشى؟ ألا نراجع أنفسنا؟ ألا نرى أحبابنا كيف يرحلون بين ليلةٍ وضحاها؟ ألا نخاف من أن نكون نحن القادمون؟
قد تعتقد الآن أنك بعيد عنه، قد تشعر أنك لست القادم، قد تغوص في غفلة الدنيا واهمًا أنك لست من المقصودين، لا والله، من رحلوا كانوا مثلك، بعضهم كان ضاحكًا سعيدًا وخطفه الموت، والآخر نائمًا مرتاحًا فخطفه، والبعض الآخر في قلب أعماله الدنيوية خرَّ مغشيًا عليه وهو في كامل عافيته وصحته، هذا الشعور شعور الجميع، نسمع ونقرأ وكأننا بعيدون كل البعد عنه، وكأنه لا يعرفنا، وكأننا مُحصنون منه، لا وربي، هذه إشارات، هذه علامات، هذه رسائل، المؤمن يعرفها جيدًا، التقي يدركها حقًا، هذه تحاذير تقول لك آن أوان الرحيل فكن مستعد له، استعد قبل أن يأتيك وحينها قد تتحسر نادمًا خاسرًا لا تستطيع تعديل شيء، اسأل الله حسن الخاتمة، وأسعى للدار الباقية، علّق قلبك ونفسك وقبل ذلك روحك لها.
سترحل وستكون في طي النسيان، كم هي مؤلمة وكم هي قاسية، نعم أبيك وأمك وإخوتك وأقرب المقربين إلى قلبك سينسونك بعد بضع أيام، أتعلم من الذي لم ولن ينساك؟ الذي ذهبت إليه، إنه ربك وخالقك ومن سواك، الذي نفخ فيك من روحه وجعلك مُكرّم تسجد لك الملائكة وسخّر لك السموات والأرض، ألا نستعد له؟ ألا نعطيه كل ما فينا ليعطينا جنة عرضها السموات والأرض؟ ويجعلنا خالدين فيها فائزين فوزًا عظيما؟