التشتت في العصر الرقمي.

أنه عصر التشتت الذهني والنفسي والذاتي، عصر لا تعلم ماذا تريد فيه وماذا تريد أن تكون فيه، زمن أصبحت فيه الخيارات كالفضاء الواسع الذي لا تستطيع أن تحدد فيه مسارك وأصبح فيه التحديد أعظم وأكبر من المسار نفسه، زمن افتراضي وواقعي في آن اللحظة، في العالم الافتراضي نحن اشخاص وفي العالم الواقعي نحن اشخاص آخرين! وهذه من أكبر علامات التشتت والضياع في معرفة ماذا نريد نحن؟ من نحن؟ ولماذا نحن في مكان كذا وفي مكان آخر كذا؟ هل قواعد العالم الافتراضي جعلتنا نُخرج الحقيقة التي نامت في العالم الواقعي؟ أم جعلتنا نحاول أن نواكب هذا العالم الافتراضي ونكون فيه عبارة عن اشخاص مزيفين يحاولون كسب أكبر قدر ممكن من المتابعين واللايكات والاعجاب والردود؟ هذا التناقض الرهيب الذي لم يسلم منه أي شخص جعلنا نعيش في حلقة دائرية تدور ولا نعلم لماذا تدور وإلى متى تدور!

ومن أكثر عوائق الحياة الحالية في العصر الرقمي المهول، هي كثرة المغريات التي لم نعرفها قط، ولم يشهدها التاريخ مطلقا، هذا الزخم الكبير من المشهيات جعلتنا نعامل اجهزتنا معاملة الحياة والموت، نخشى فقدان كل جديد ونخاف من فوات كل خبر وحدث حصل في هذا العالم الشاسع المليء بملايين ومليارات المعلومات!

تراك تنتقل من تطبيق لتطبيق في رمشة عين دون أي وعي وإدراك وتأمّل، تشاهد خبر في الرياضة وفي ثواني تشاهد خبر في السياسة وفي ثواني تشاهد خبر في الموضة، تنتقل من كلام طيّب إلى كلام سيئ في سرعة البرق، من حدث مفرح إلى حدث مؤلم في لحظة، هذا التبديل المُخيف سيجعل عقولنا في حالة أشبه بالسبات وعدم الاستيعاب ومنه يقل التركيز ويختفي المعنى والعمق تدريجيًا، هذا غير أن هذه الخيارات القائمة على إدمان كل جديد وحصري أصبحت تخطف وتأكل أوقاتنا أكل، فالجوال بعدما كان فقط في المنزل والخارج والعمل، أصبح في كل مكان وبكل سهولة، أصبح في الحمام وفي القراءة وفي القيادة وحتى في الأكل ودونه قد لا تفعل هذه الأشياء الفطرية بشكل سليم وستصبح مملة ومنفرة ومعه ستتغير كليًا وتعود شيقة وجميلة! وياله من ربط مُرعب!

ألا تلاحظون أننا أصبحنا لا نتحمل رؤية مقطع طويل؟ ولن أقول مقطع بالساعات بل سأقول مقطع 10 دقائق فقط؟ ألا تلاحظون أننا أصبحنا لا نتحمل قراءة كُتيب؟ فما بالكم في كتاب؟ تويتر على سبيل المثال سطّح البشر وجعلهم يُحصرون في 140 حرف فقط، هذا التكرار والاعتياد جعلنا مع الوقت لا نتحمل قراءة مقال، وفي السناب أيضا جعلوا المقاطع بالثواني اختصارًا، وفي الانستقرام جعلوا التواصل قائم على صورة وايموجي، والبعض أصبح يتواصل فيها دون الحاجة إلى اللغة والقلم والكتابة! كل هذه الكوارث إن لم تتغير وتتبدل بطرق منهجية سليمة قائمة على الدراسة والعلم لا قائمة على شركات ربحية أكبر غاياتها الربح المادي، ستجعلنا كائنات غير مرئية لا تريد إلا “الزبدة” وأكبر قدر ممكن من “الإثارة” وإن كانت على حساب نفسك ودينك ومبادئك وقيمتك وكل شيء!

نُشر بواسطة خالد

القلم يسحب مشاعرنا وأحاسيسنا من أيدينا، والكتابة تجعلنا نسبح في فضاء فسيح قد لا تعرفه الأرض ولا تدركه. فأنا أكتب لأن الكلمة تشعر، وأكتب لأن الحروف تبادلنا شيئا عظيما لا يُرى في الظاهر، لكنه كالقمر في الباطن؛ نيّر، مضيء، هادئ.

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ