لطالما قلت أن كرة القدم أشرف وأعظم وأمتع رياضة عرفتها الأرض وعرفها التاريخ، هذه الساحرة المتسديرة التي خطفت قلوب الصغار والكبار، الفقراء والأغنياء، المسلم والكافر، الأبيض والأسود، وجمعتهم في مكان واحد، وجعلتهم سواسية لا فرق بينهم، يفرح هذا ويحزن ذاك، يسعد هذا ويغضب ذاك، تارة خائف وتارة متردد وتارة متحمس وتارة متفائل، كل هذه المشاعر تختلط على العاشق الهائم في لحظات، ولا تحدث له إلا مع هذه الدائرة العجيبة وأما الفوز أو الخسارة!
كرة القدم بعد ما كانت في السابق عبارة عن تسلية ومضيعة للوقت وهروب من مصاعب الحياة، أصبحت اليوم تجارة عالمية كبرى، وأهداف سياسية دولية رئيسية، وقوة إعلامية ترويجية مهولة، تحركها دول وشركات ومنظمات وجمهور غفير من مختلف القارات، كما أنها أصبحت قوة ناعمة تحسن من صورة كثير من المنتخبات والدوريات وحتى الديانات كما حدث في اللاعب المصري الشهير محمد صلاح في بريطانيا!
وبما أن الجمال دائمًا لا يكتمل فهناك جانب مظلم مُخيف في عالم كرة القدم، كغسيل الأموال وتغيير النتائج وتلاعب الأرقام والأسماء، وتزوير شركات المراهنات التي تحدد في بعض المرات سير المباريات، وكأن اللاعب أصبح اليوم أداة تحركه الشركات الكبرى فنرى أنهم يتعاقدون معه فيما يلبس وفيما يختار وفيما يأكل، ويتم تسعيره بحسب عمره وأداءه في أرض الميدان، وأخطر ما يخافه اللاعب إصابته فبها يتم تحدده كلاعب محترف مميز أو كلاعب هش جعلته الإصابات تاجر مُفلس!
والخاسر الأكبر في هذا الجانب المظلم هو المشجع “المتعصب” لأي نادي أو لاعب، فهذا المشجع نسبة فوائده من فوز فريقه وتتويج فريقه وعوائد فريقه المالية والإعلانية صفر في صفر، فهو غير مُشارك إطلاقًا بأي إنجاز وبطولة وفوز، بل الأدهى والأمر أنه خاسر لا رابح ماديًا، فهو يدفع التذاكر والتي شيرتات والاشتراكات وإلى آخره من المتطلبات المطلوبة، ناهيك عن الخسائر الكبرى وهي العاطفية والنفسية والمعنوية، فكثير من المشجعين يُغمى عليه بل والبعض منهم يفارق الحياة والبعض الآخر يعيش في هم وقلق وكدر وألم، وبعضهم تراه يعاني من مشاكل نفسية عميقة تقوده لحياة قهرية صعبة، تُدمر معنوياته وثقته وعطاءه الذاتي، المصيبة ربط كل ما ذُكر بخسارة أو فوز فريقه، أي أن سعادتك وآلامك وصحتك وأمراضك كل تحت رحمة أقدام أشخاص هم في الحقيقة لا يعرفونك مطلقًا، والرابح الأكبر هُنا النادي واللاعب الذي لا يكسب إلا المال والشهرة والحياة المضمونة سواءً ماديًا أو عاطفيًا أو نفسيًا، على عكس المشجع المتعصب والمسكين الذي يُحرق كل ذرة فيه لأجل أشياء تافهة وعبارة ومتغيرة.
ومن أخذ الكورة بالتشجيع الممتع المفيد الواعي، فهو كسب نعمة عظيمة ستفيده كثيرًا.