ما تعتقده اعتقاد جازم وكامل سيحصل لك مستقبلاً بطريقة أو بأخرى وقد لا يحصل وكلها بإرادة الله سبحانه “الأشياء تظل ساكنة حتى تفكر فيها فتتحرك بإتجاهك”
وليس المقصود هُنا كل ما يخطر في الذهن، بل ما تتوقعه بشكل دوري ودائم ومن إيمان راسخ لا يقبل شك، مع السعي والعمل والمحاولة لا الجمود والكسل وعدم الحركة، فالوساوس والخوف كثير منها لا يقع، وكثير منها عبارة عن أوهام وخزعبلات لا تمت للواقع بأي صلة، فالمقصود هو رؤيتك لنفسك أولاً وقبل كل شيء وما تراه في عمقك، فالخيال سلاح عظيم جدًا وما وجد بنا إلا لغاية ومعنى من رب العالمين، وسلاح ذو حدين قد ينقذك ويقودك للنجاح وقد يقتلك ويقودك للهلاك، فما يحرك جسدك ويحرك لسانك ويحرك كل ذرة فيك ما هو إلا ما يدور في هذا الخيال أو الفكر من خيالات وأفكار، فأنت الرسام وعقلك الريشة وحياتك اللوحة، ماذا تتخيل؟ ماذا تتصور؟ ماذا تتوقع؟ بماذا تفكر؟
يقول الله سبحانه وتعالى “أنا عند ظن عبدي بي أن ظن خيرًا فخير وأن ظن شرًا فشر” ومنها أيضًا “تفائلوا بالخير تجدوه” وللثقة سلطان على النفس والجسد فهي الوقود التي تزيدك قوة والدرع الذي يحصنك والطائرة التي تحلق بك، فأن رفعتها رفعتك وأن شحنتها شحنتك ولها تأثير كبير على من حولك فأنت المستفيد اولاً واخرا، يقول عمر بن عبدالعزيز عن نفسه “إن لي نفساً تواقة، وما حققت شيئاً إلا تاقت لما هو أعلى منه، تاقت نفسي إلى الزواج من ابنة عمي فاطمة بنت عبدالملك فتزوجتها، ثم تاقت نفسي إلى الإمارة فوليتها، وتاقت نفسي إلى الخلافة فنلتها، والآن تاقت نفسي إلى الجنة فأرجو أن أكون من أهلها” ولا أنسى قول الشاعر “دواؤك فيك وما تبصر وداؤك منك وما تشعر وتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر” إذًا فأنت أيها الإنسان مُخير ومحاسب على كل شيء فكيف تحاسب على شيء خارج إرادتك؟ كيف إذًا أنت مُخير؟ يقول الله سبحانه وتعالى ( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ) هُنا الإنسان خُيّر فما أنت فاعل؟ زكيتها وأفلحت؟ أم دستها وخبت؟ الخيار لك ومنك وسيكون أما لك أو عليك، فأنت المسؤول الأول وأنت الذي تشكّل حياتك بعد الله، فالله سبحانه يقول أيضًا ( مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ) أي توضيح هذا؟ وأي تلميح هذا؟ أعطاك كل شيء فجعلك الكاتب بإرادته وجعل الدنيا صفحتك فأكتب ما تشاء وأفعل ما تشاء وإليه ستعود ومنه سيكون أما الجزاء أو العقاب.