متابعة المشاهير.

إنها داء التقنية، المرض الذي شتت الجميع وضيّع الكثير وجعلهم في دائرة واحدة يعانون كل المعانات، عالم دائري يدور بطريقة مكررة ودائمة وبشكل يومي متتابع، هذا الداء جعلهم يقارنون كل ما يرونه بما لديهم، فهم يرون حياة باذخة ممتعة ساحرة، من أجمل وأروع وأفخم الأراضي، فيشاهدون أحدث المركبات، وأشهر الماركات، وأبرز التقنيات، وأوسع البيوت، وما أن ينتهون من رؤية كل هذا إلا ويعودون إلى واقعهم المتواضع المرير بعيونهم، فتبدأ آلام القلب وتساؤلات النفس وتعود هذه العبارات تتردد في الرأس “الناس مبسوطه – الناس عايشه – الكل يُسافر – الكل سعيد” إلا أنا! فيبدأ التوبيخ والتصغير والتقزيم، ويعيش هذا الإنسان في شقاء وعذاب وهم وغم، وما أن ينتهي من كل هذا إلا ويعود كما كان يتابع ويقارن وما يلوم إلا نفسه!

ومن خطورة المتابعة أنها تجعلك تتبنى أخلاق وأفعال وحركات هذا المشهور وتقع تحت فخ أهميته وشهرته وما حوله من متابعين، سواءً بوعي منك أو دون وعي، بشعور منك أو دون شعور، فالتكرار والاستمرار بمتابع شخص ما لفترة طويلة، بكل الوسائل والطرق، بأي الأماكن والأوضاع، وبأي الظروف والحالات، ستجعل هذه المتابعة متأصلة كامنة في نفسك وقلبك ولسانك، وستلاحظ مع الوقت أنك نسخة مكررة منه بالذوق والرأي والحكم! والغريب في الموضوع أن في أحيان عديدة قد لا تدرك الأمر، وقد يكون من الصعوبة بمكان أن تعرف، والسبب تراكمات كثيرة تكونك بك مع الوقت، فتتقمص دون أن تعلم، ناهيك عن حرصك وخوفك وشوقك إليه في حال الغياب! والمضحك في الموضوع أنك عبارة عن مُتابع من متابعين كثر، أي أنك لا شيء لهذا المشهور لا يعرفك ولا يعلم عنك شيء إطلاقا! فأنت مجرد رقم من أرقام ومشاهد من مشاهدين، فكيف يرضى بعض البشر أن يصبح بهذه السطحية والهزل والضعف؟ وكيف يرضى أن يكون تابع بهذه الطريقة التافهة التي لا تأتي إلا بالضياع ورؤية السخافات دون أي معنى وقيمة. فالمتابعين أشبه بالمساجين بل أشد، فهم يرون متع غيرهم أمام الشاشات دون أية مشاركة وفائدة. فمن ضيّع حياته لمتابعة حياة غيره لا يستحق إلا أن يكون هكذا تابع ذليل ضائع تائه، جعل طاقته ووقته وجهده لغيره دون ذرة مقابل.

نُشر بواسطة خالد

القلم يسحب مشاعرنا وأحاسيسنا من أيدينا، والكتابة تجعلنا نسبح في فضاء فسيح قد لا تعرفه الأرض ولا تدركه. فأنا أكتب لأن الكلمة تشعر، وأكتب لأن الحروف تبادلنا شيئا عظيما لا يُرى في الظاهر، لكنه كالقمر في الباطن؛ نيّر، مضيء، هادئ.

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ